الشيخ حسين المظاهري
34
دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية
قال تعالى : « وليعفوا وليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر اللَّه لكم » « 1 » ثمّ لا يخفى أنّ الغضب مذموم ولا يعقل أن يصير حسناً باعتبار المتعلّق ولو كان متعلّقه إحياء الدّين أو إعانة المظلوم فضلًا عمّا لا يُعد حسناً ، بل يرجع إلى شخص الغضبان وهوائه . توضيح ذلك : انّ الغضب كما مرّ في تعريفه هو قوّة توجب تلاطم الإنسان قلباً وجوارحاً فيستر العقل ويُسلب عن الغضبان التسلّط على قلبه وجوارحه ويصير الإنسان به في معرض الهلاك حيت يحرّكه كيف يشاء . فبعد ذلك كيف يمكن أن يكون حسناً ؟ . وبالجملة انّ الغضب من الرّذائل والمهلكات ولا يعقل أن يؤثّر المتعلّق فيه فيكون حسناً باعتباره وان كان ذلك المتعلّق من الضّروريّات الاوّلية كالقوت والملبس والمسكن ، فالغضب فيها مذموم ، فمن اخذ منه مسكنه الضّرورىّ أو لباسه الضّرورىّ أو غذائه الّذي يحتاج إليه في حياته أو مائه المحتاج اليه ، فلا يجوزله أن يغضب عليه وإن جاز بل وجب عليه أن يمنع الظالم عن ظلمه ، والفرق بينهما واضح لأنّ الأوّل مذموم والثّانى ممدوح لأنّه من الشّجاعة وهي من الفضائل ، فيكون حسناً وقس عليه ما لا يكون من الضّروريّات الاوّلية كالجاه والمال ، فمنع الظّالم عن ظلمه عند التّجاوز جائز بل واجب وامّا الغضب عند سلب الجاه عنه أو أخذ ماله عنه فهو غير جايز . وبالجملة لا فرق في مذمّة الغضب ، عند الضّروريّات كالأكل والشّرب أو غير الضّروريّات كالجاه والّتمكّن . فما يترائى من المحجّة من أنّ الغضب في الضّروريّات الاوّليّة جائز بل لا يمكن قمع أصله بل هو خلاف مقتضى الطّبع ، فليس بسديد ، لأنّ الحلم والتّأنّى في مثل هذه الأمور لازم حتّى يقدر على احقاق حقّه وعلى دفع المكروهات أو رفعها وعلى جلب المنافع أو حفظها .
--> ( 1 ) - النّور / 22